محمد سعيد رمضان البوطي
18
فقه السيرة النبوية مع موجز لتاريخ الخلافة الراشدة
ذلك إنما وجد أولا لخدمة السنة المطهرة التي لا بد أن تكون السيرة النبوية العامة قاعدة لها . ثم إنه أصبح بعد ذلك منهجا لخدمة التاريخ عموما ، وميزانا لتمييز حقائقه عن الأباطيل التي قد تعلق به . يتبين لك من هذا أن كتابة السيرة النبوية ، كانت البوابة العريضة الهامة التي دخل منها المسلمون إلى دراسة التاريخ وتدوينه عموما ، وأن القواعد العلمية التي استعانوا بها لضبط الروايات والأخبار ، هي ذاتها القواعد التي أبدعتها عقول المسلمين شعورا منهم بالحاجة الماسة إلى حفظ مصادر الإسلام وينابيعه الأولى من أن يصيبها أي دخيل يعكرها . كيف بدأت ثم تطورت كتابة السيرة : تأتي كتابة السيرة النبوية - من حيث الترتيب الزمني - في الدرجة الثانية بالنسبة لكتابة السنة النبوية . فلا جرم أن كتابة السنة ، أي الحديث النبوي ، كانت أسبق من كتابة السيرة النبوية عموما . إذ السنة بدأت كتابتها ، كما هو معلوم ، في حياة رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم ، بإذن ، بل بأمر منه عليه الصلاة والسلام . وذلك بعد أن اطمأن إلى أن أصحابه قد تنبهوا للفارق الكبير بين أسلوبي القرآن المعجز والحديث النبوي البليغ ، فلن يقعوا في لبس بينهما . أما كتابة حياة رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم ومغازيه بصورة عامة ، فقد جاء ذلك متأخرا عن البدء بكتابة السنة ، وإن كان الصحابة يهتمون بنقل سيرته ومغازيه شفاها . . ولعل أول من اهتم بكتابة السيرة النبوية عموما ، هو عروة بن الزبير المتوفى 92 ه ثم أبان بن عثمان المتوفى 105 ه ثم وهب بن منبه المتوفى 110 ه ثم شرحبيل بن سعد المتوفى 123 ه ثم ابن شهاب الزهري المتوفى 124 ه . إن هؤلاء يعدون ، ولا ريب ، في مقدمة من اهتموا بكتابة السيرة النبوية ، كما تعد كتاباتهم طليعة هذا العمل العلمي العظيم ، بل تعد الخطوة الأولى - كما ألمحنا - إلى كتابة التاريخ والاهتمام به عموما ، هذا بقطع النظر عن أن الكثير من أحداث السيرة منثور في كتاب اللّه تعالى ، وفي بطون كتب السنة التي تهتم من سيرته صلّى اللّه عليه وسلم بأقواله وأفعاله ، لا سيما ما يتعلق منها بالتشريع . غير أن جميع ما كتبه هؤلاء قد باد وتلف مع الزمن ، فلم يصل إلينا منه شيء . ولم يبق منه إلا بقايا متناثرة ، روى بعضها الطبري . ويقال إن بعضها الآخر - وهو جزء مما كتبه وهب بن منبه - محفوظ في مدينة هايدلبرج بألمانيا . ولكن جاء في الطبقة التي تلي هؤلاء من تلقف كل ما كتبوه ، فأثبتوا جلّه في مدوناتهم التي وصل إلينا معظمها بحمد اللّه وتوفيقه . ولقد كان في مقدمة هذه الطبقة محمد بن إسحاق المتوفى عام 152 ه . وقد اتفق الباحثون على أن ما كتبه محمد بن إسحاق يعدّ من أوثق ما كتب في السيرة